Uncategorized

فمن يحمل عبء الذاكرة؟

وقريبًا يموت آخر الشهود المجهولين، آخر رواة المنسيين، أولئك الذى عرفوه أيام شبابه جوادًا بريًّا لم يسرج بغير الريح، فمن يحمل عبء الذاكرة؟ ومن يكتب سيرة من لا سير لهم فى بطون الكتب، أولئك الذين قسّموا جسومهم فى جسوم الناس، وخلفوا آثارًا عميقة تدل على غيرهم، ولكنها لا تدل عليهم

هكذا تبدأ الحلقة الأولى من مسلسل التغريبة الفلسطينية، رثاء علي لأخيه أبو صالح عند وفاته في مخيّم اللاجئين الفلسطينيين، أبو صالح الذي كان قائد الثورة ضد الإنجليز واليهود، الذي قاتل حتى آخر نفس لأجل الإنسان والأرض والهويّة، ليصبح بعدها لاجئًا مهجّرًا في المخيمات. لم يكن التغريبة الفلسطينية مسلسلًا عاديًا بالنسبة لي ولكل من تابعه، بل كان حكاية الماضي والحاضر، كان الرواية المرئية الأدق التي وصفت معاناة الشعب الفلسطيني ووجع الشعوب العربيّة.
في عام ٢٠٠٧ كنت في الصف الخامس وأخي في الثالث الابتدائي، كان واجبًا علينا النوم عند التاسعة مساءًا لنستيقظ في اليوم التالي بنشاط ثم نستعد للذهاب إلى المدرسة. كان التغريبة الفلسطينية الاستثناء الوحيد ليسمح لنا أبي بالسهر ساعة أخرى، فالتغريبة لم يكن مجرد مسلسلًا، بل عملًا فنيًّا متكاملًا يجعل منك جزءًا من الحكاية، فتتألم وتبكي أو تضحك كأنك تعيش كل تلك التفاصيل. هذا كلّه كان في الماضي، أما عندما بدأت تغريبتنا السوريّة، لم نجد ما قد يصف التراجيديا التي حدثت لبلادنا أكثر من هذا المسلسل، إنه يصف ما يحدث بالتفصيل، وكأن التاريخ يعيد نفسه لكن بصورة أخرى، فهذه المرة قاتِلنا هو واحد منّا. إنه يصف ألم الطبقيّة والعنصريّة واللجوء والمخيّمات، فتنقبض قلوبنا عند كل مشهد للقصف واللجوء والبعثرة في الشتات، نذرف الدموع لأننا نشعر بما يحدث، ولأن التاريخ يكرر نفسه، ولأنه لا عدل ولا إنصاف في واقعنا.

كنّا نقضي الصيف من كل عام في سوريا، بين العائلة والأقارب والأحبّاء، وكان ذلك العيد بالنسبة لنا. أذكر تمامًا الصباحات في بيت جدتي، نستيقظ باكرًا ونحتسي القهوة، ثم نبدأ بتنظيف المنزل من الألف إلى الياء، يحين بعدها موعد الفطور، لنعدّه سويّة أثناء مشاهدة مسلسل الفصول الأربعة. إن هذا المسلسل انعكاس للبيت السوري بكل تفاصيله، بيت العائلة الكبير، الجد والجدة، الخالات وأولاد الخالات، شوارع دمشق ورائحة ياسمينها، أقسم أنني أشاهد أي حلقة منه الآن فيأخذني فورًا لبلادي التي لم تعد تشبه نفسها، يعيد إليّ ذكرياتي كلّها، النباتات في المنزل واللوحات المعلّقة على الحيطان، اليوم الأول من العيد، أحاديثنا القديمة وصوت أم كلثوم عند موعد قهوة المساء، بكاء كريم عند حنينه لبيت والدته وللقطة الشاميّة، والمشاحنات المستمرة بين نجيب ومالك.. كلّها تحكي عنّا، كلّها تشكّل ماضينا وتُشعرنا بالحنين لذكريات لن تعود. الفصول الأربعة هو مساحة الأمان لكل سوريّ في المهجر، نلجأ إليه عندما تضيق فينا الدنيا وتشتدّ علينا الآلام، ونبكي على ذكريات كنّا نعتقد أننا نسيناها.

لقد فقدنا جزءًا منّا عندما فقدنا حاتم علي، وفقده سبب لنا جرح من نوع مختلف، ألمه قاسٍ ومفاجئ ومريع. حاتم علي لم يكن مجرد مخرج أو فنان، كان المبدع والمثقّف في زمان قلّ فيه العمل الحقيقي والرسالة الهادفة التي تحمل بطيّاتها قوى التغيير الناعمة. أبدع بتجسيد شخصيّة الزير سالم وصلاح الدين الأيوبي وعبد الرحمن الداخل في الثلاثيّة الأندلسيّة على الرغم من الإنتاج المتواضع، كما أنه أخرج مسلسل عمر بن الخطّاب بكل احتراف ونال نجاحًا عظيمًا بالرغم من كل الانتقادات والهجوم من المحافظين والمنغلقين. استطاع حاتم علي أن يصف بلادنا وأيامنا ووجوهنا وملامح بيوتنا في مسلسلاته الدرامية والمعاصرة. من منّا لا يشعر بشاشة التلفاز تسحبه إلى دمشق عند مشاهدة أحلام كبيرة أو عصي الدمع أو حتى على طول الأيام؟ كان يحكي عنا ويشبهنا، في زمن لا يشبهنا أبدًا.


أنا لا أذرف الدموع عادة عند وفاة الفنّانين، لكني بكيت حاتم علي بحرقة شديدة، لأنني شعرت بعد وفاته بالذكريات تُسحب منّي، شعرت بأننا نفقد آثارنا ورموزنا رويدًا رويدًا، لنصبح تدريجيًا بلا ملامح ولا ذكريات. حاتم علي وحده استطاع أن يحكي قصّتنا، والبلاد كلّها تبكي عليه الآن وكأنه جزء من كل عائلة سوريّة.

“الدنيا لسه بخير، إذا بلد كامل بيطلع بجنازة شاعر”

كريم، في الفصول الأربعة

هذا ما قاله كريم في حلقة أصدقاء نزار في الفصول الأربعة، عندما شاهد الجموع الكبيرة التي خرجت في تشييع نزار قبّاني، أما اليوم فالبلاد كلّها تبكي حاتم علي، بالرغم من شتاتنا وانكسارنا وأوجاعنا نبكي هذا الرجل العظيم، صاحب الرؤية الواضحة والمشروع الناجح.. بفقدانه فقدنا نبيلة وكريم، فقدنا ذكرياتنا، فقدنا بلادنا مرّة أخرى، فقد كان ما يربطنا بها.. ويبقى أقسى أنواع الفقد، فقد الذكريات والهوية.

مصدر الصورة البارزة:
LAVART

قياسي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.