Uncategorized

ذكرى زواجنا الأولى

أكتب هذه الكلمات بعد مضيّ عام كامل على زواجي من حبيبي فرزت. كان عامًا مختلفًا وغريبًا ومليئًا بكل المشاعر المختلفة. بدأ بالسفر والبحر والأندلس، وانتهى بالحجر مع العائلة دون أي فرصة للخروج من المنزل إلا لشراء احتياجات المنزل الأساسية من البقالية.
قبل عام من اليوم احتفلنا مع العائلة والأصدقاء بعرسنا، لم تكن فترة التحضير للعرس سهلة أبدًا، في شهر واحد توجب علينا تحضير كل ما نحتاجه مع الكثير من التوتر والضغط، حيث تعارض كثير مما كنا نتمناه مع ما يفرضه علينا المجتمع والتقاليد وما تتمناه العائلة. كنا نتخيل عرسًا صغيرًا وسط أقرب الأصدقاء والأسرة، صيفًا في حديقة صغيرة ربّما، لكن ذلك لم يحدث. وشائت الأقدار أن نحتفل بعرسنا في أواخر ديسمبر مع عدد كبير من معارفنا ومعارف العائلة والأصدقاء، وقد كان ذلك خيرًا، فما حدث هذا العام جعل فكرة العرس غير ممكنة الحدوث.

بعد عرسنا ببضع أيام احتفلنا بليلة رأس السنة مع العائلة، يتكللنا الأمل بعام جديد سعيد، وفي اليوم الذي يليه سافرنا إلى جزيرة مايوركا في إسبانيا، لتبدأ هناك رحلتنا إلى مدن مختلفة في إسبانيا والبرتغال على متن باخرة كبيرة جدًا. جُلنا في مدن كثيرة، بين مايوركا وقادس ومالقة ولشبونة وبرشلونة وفالنسيا وجبل طارق. احتلّت هذه الرحلة قلبي بكل ما فيها، كانت ساحرة ومليئة بالمغامرات والدروس من تاريخنا العربيّ الجميل في تلك المنطقة.
إن كنت سأعطي عنوانًا لرحلتنا تلك، فلن يكون سوى “البحر والحُب”.
كنا مقطوعين عن العالم الخارجي، لا إنترنت ولا اتصالات على متن الباخرة، أما على اليابسة فلا وقت لذلك! كان علينا استغلال كل ثانية لنمشي ونتأمل جمال المدن التي استطعنا زيارتها!

عند العودة صُدِمنا بكل الذي حدث أثناء غيابنا، موت سليماني، طلاق أصالة، خروج هاري وميغان من العائلة المالكة، وطبعًا.. تفشّي نوع جديد من ڤيروس كورونا في مدينة ووهان في الصين. شخصيًا لم أعطِ الكثير من الأهمية لخبر الڤيروس، فلم أعتقد أنه سيؤثر بأي شكل على حياتنا في ألمانيا! لم أكن أعتقد أني سأصابُ به، ولا أنه سيقتل جدتي في سوريا ليسبب لي جرحًا لا يندمل، ولا أنه سيتسبب بإغلاق كامل في جميع دول العالم ويمنع السفر أو حتى الخروج من المنزل لزيارة أحدهم أو العناق أو حتى المصافحة! لم أكن أتخيل حدوث كل ذلك في عام واحد.

بداية زواجنا كانت غريبة نوعًا ما، لم أكن معتادة على كلمة “زواج” او كلمة “زوج”، لم أكن أستطيع تحمل لهجة الأقارب الغربية التي اصبحوا يخاطبونني بها بعد زواجنا، وكأنّي تحوّلت فجأة من يمنى (طالبة الجامعة) إلى يمنى (ست البيت والزوجة التي قد تصبح قريبًا أمًا)، لم أكن استسيغ التعامل المختلف في البداية، كل ما أردته هو أن أعيش باقي أيامي مع فرزت بطمأنينة وهدوء، دون التدخل والأسئلة الجديدة هذه. طالما فرزت بجانبي، وطالما نعيش في شقّتنا الصغيرة المليئة بالحب، فلا عتب ولا حزن ولا انزعاج.

يصادف الخامس عشر من مارس يوم مولدي، أهداني فرزت في ذلك اليوم رحلة إلى كرواتيا، وعند وصولنا إلى باب الطائرة لم نستطع أن نسافر! كان ذلك بسبب الإغلاق الذي تم فرضه فجأة في ألمانيا، وفي وجميع دول أوروبا لمنع تفشّي الڤيروس اللعين، أستطيع ببساطة قول أن معالم الحياة كلها تغيّرت بعد هذه اللحظة. فجأة ودون توقع أو أي سابق إنذار، انتشر الرعب في كل مكان، اختفت سوائل التنظيف والمعقمات من المحلات التجارية وحتى أوراق الحمّام! أصبحت الشوارع بين ليلة وضحاها فارغة بشكل كامل،أغلقت كل المطاعم والمسارح ودور السينما والمقاهي والملاهي جميعها! حتى الامتحانات جميعها ألغيت أو تأجلت لنقوم بتقديمها لاحقًا عبر الإنترنت! محاضرات عبر الإنترنت، عمل عن طريق الإنترنت، الحياة كلها أصبحت في المنزل وعبر الإنترنت! ظننتُ أولًا أن الجائحة هذه قد تستمر لشهرين أو أربعة أشهر على الأكثر، لم يتخيل أيّ منّا أن الأزمة ستطول هكذا. عدنا أدراجنا يومها من المطار نحو المنزل بخيبة وحزن وحسرة، والدهشة لا تفارق وجهينا! أما عن تكلفة السفر إلى كرواتيا فلم نستطع استرداد أيٍّ مما دفعناه، وكما اتضح لاحقًا فقد خسرت شركات الطيران الكثير من الأرباح بسبب إلغاء الطيران وتوقف السياحة في العالم بأسره.

سيلفي العودة إلى المنزل.

كان العام الأول من زواجنا غريب بكل ما تحتويه هذه الكلمة من معنى. لم نستطع السفر خارج ألمانيا حتى الآن، وكان ذلك عكس كل ما خططناه. كنا نأمل لعام مليء بالسفر والمغامرات، أردنا زيارة كل دول أوروبا، لكنّا بقينا في المنزل. في نهاية شهر يوليو أصيبت جدتي الحبيبة والأقرب إلى قلبي بالڤيروس اللعين، كانت صحّتها جيدة، لا تعاني جدتي من أي أمراض مزمنة أو أي أوجاع، تبلغ من العمر ٦٩ عامًا! اعتقدت أنها ستنجو من المرض بسهولة لكن الڤيروس فتك بجسدها ورئتيها ففارقت الحياة خلال يومين وفجأة. الصدمة كانت كبيرة جدًا على قلبي، صرت أحلم بها يوميًّا، أحلم أني أناديها، أريدها أن تعود وأن أسمع صوتها يوميًا برسائلها الصوتية التي كانت ترسلها إلي.. لكنّي أستيقظ كل صباح على الواقع المؤلم دونها، دون صوتها أو دعواتها أو وجودها. تزامنت وفاة جدتي مع امتحاناتي في الجامعة، كنت أفكر جديِّا بالانسحاب من الامتحانات وتأجيل فصل دراسي ربّما، لاعتقادي بأني لن أستطيع الدراسة أو التركيز بأي من امتحاناتي. إن الصدمة الكبيرة كانت ترافقني أينما اتجهت، كذلك الدموع والذكريات.
كان فرزت معي على الدوم، كان لي سندًا، قام بإلغاء فكرة التأجيل من عقلي وأقنعني بالاستمرار، كان يسمعني ويمسح عن عينيّ الدمع كل يوم وكل لحظة، كان يقرأ معي رسائل جدتي القديمة، يدعو لها معي كل يوم، كان يحتضني كل ما احتجت ذلك ويرسم الابتسامة على وجهي بقدر ما يستطيع، وبفضل دعمه لي وإيمانه بي استطعت تجاوز امتحاناتي بعلامات جيدة وبنفسية أفضل مع الكثير من الثقة بالنفس.

في الشهر العاشر من هذا العام سافرنا إلى برلين، كانت تلك رحلتنا الوحيدة منذ سافرنا في الشهر الأول إلى إسبانيا، استمتعنا كثيرا وقابلنا الكثير من الأصدقاء القدامى، قابلت في تلك الرحلة السيدة التي عشت عندها في برلين، الخالة الحنونة الفنانة والرسامة كاتيا! عرفت فرزت عليها وأسعدها ذلك كثيرا، كنت ولازلت أعتبرها جدتي الألمانية، أسعدني لقاءها وزيارة منزلها الذي عشت فيه عامًا كاملًا، وأحزنني أنها تعيش بمفردها الآن في منزلها الكبير الجميل، بعد وفاة زوجها العم يوسف المقدسيّ الفلسطينيّ والذي لم تغادر فلسطين روحه أبدًا رغم زواجه من ألمانية وقضاء ٦٠ عامًا من حياته في ألمانيا. الخالة كاتيا فلسطينية الروح أيضًا على الرغم من أصولها الألمانية، فهي لا تكفّ عن الحديث عن فلسطين والأكل في فلسطين والحياة في فلسطين وذكرياتها هناك، وهذا كله بالرغم من عدم إتقانها للغة العربية، أحبها جدًا وأسعدني لقاءها كثيرًا!

 عدنا من برلين بعد قضاء ٤ أيام هناك، في يوم العودة شعرتُ بالتعب والألم الخفيف في الحنجرة، قلتُ لنفسي أنها قد تكون نزلة بردٍ خفيفة نظرًا لتبدل الجو السريع في شهر أكتوبر، لكني في مساء ذلك اليوم وبعد وصولنا إلى المنزل لم أستطع الوقوف من شدة التعب، توالت عليّ أعراض الانفلونزا حتى فقدتُ حاستيّ الشم والتذوق في اليوم الرابع منذ بداية الأعراض، قمنا أنا وفرزت في الأسبوع التالي بإجراء فحص الكورونا، لتتبين إصابتي به.. شعرت أولًا بالخوف، بالرغم من صغر سني آلمني صدري من شدة السعال، لم يكن كالسعال العادي أبدًا، أما فرزت فكانت نتيجة فحصه سلبية مما أثار استغرابنا. بقينا في الحجر الصحي لمدة ١٤ يومًا، وبصراحة كانت تلك من أجمل أيام هذه السنة! شاهدنا جميع الأفلام وطبخنا كل المأكولات الي اشتهيناها (لكنّي طبعًا لم أشعر بطعم أي مما أكلته)، ضحكنا كثيرًا، أما الضجر فلم نشعر به بالرغم من البقاء في المنزل طوال هذه المدة، لعلّها كانت الفترة الأكثر سلامًا بالنسبة لي في ٢٠٢٠..

بعد خروجنا من الحجر الصحي بفترة قصيرة أعلنت ألمانيا بداية الموجة الثانية وارتفاع عدد الإصابات مرة أخرى لتصل لأكثر من ٢٥ ألف حالة يوميًّا! بعد صيف هادئ نسبيًا لم نشهد فيه ارتفاعًا كبيرًا بالأعداد، وفي نوڤمبر عاد الإغلاق إلى ألمانيا بشكل تدريجيّ، حتى يصل إلى الإغلاق الكامل في ديسمبر. للأسف لم نستطع الاحتفال بذكرى زواجنا الأولى كما أردنا، لكن وجودنا معًا جنبًا إلى جنب بصحة جيدة وأفضل حال هو ما يهمّ.. إنه الاحتفال الأجمل.

ها نحن الآن نقضي الأيام الأخيرة من هذا العام مع العائلة في مدينة كولونيا، باقون في المنزل دون الزيارات أو الضجة التي اعتدنا وجودها في هذا الوقت من كل عام، ندرس ونقرأ صباحًا، ونشاهد الأفلام مساءًا.

في الخامس والعشرين من ديسمبر من عام ٢٠١٨ كانت خطوبتنا مع عائلتينا، حفلة صغيرة مع المقربين من الأصدقاء، يوم أعلنا ارتباطنا وحبنا الدائم بالرغم من كل العوائق. أما السابع والعشرين من ديسمبر من العام الماضي فكان يوم العرس ويوم الفرح ونقطة البداية لحياتنا سويًّا.

لفرزت، شكرًا لأنك أوفيت بكل وعودك، شكرًا لأنك العائلة والصديق والسند في كل محطات حياتي. شكرًا لأنك لم تغب يومًا رغم علاقة عن بُعد دامت سنتين ونصف السنة، رغم التعب والسفر والجائحة وكل العقبات. أعدك أن تكون أيامنا القادمة جميلة ككل ما مضى، وأنك ستكون دومًا وفي كل أيامنا القادمة جزءًا منّي، ستبقى محتلًا قلبي كله، شكرًا لأنك الكتف الذي أسند عليه رأسي واليد التي تحمل معي كل ما يثقل قلبي.

“وإني أحبك، أنت بداية روحي، وأنت الختام”

 

قياسي

4 آراء حول “ذكرى زواجنا الأولى

  1. بنحبكم ع قد ما بتوزعوا حب بصوركم وكلماتكم ودفا قلبكم.
    أيامكم الجاية عامرة بالمحبة والأفضل، وأكيد الرحمة لروح ستك يمون الله يصبر قلبك 💜💜

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.