يوميات

من الشرق للغرب

أجلس في المقهى الواسع، أحتسي قهوتي التي أحب (كابوتشينو مع رشة قرفة)، أتامل وجوه الناس الغريبة حولي. بعضهم يدرس وبعضهم يتحدث مع الآخرين والبعض الآخر يجلس وحيدًا ويتظاهر بالانشغال. أما أنا فكلّ ما يشغل بالي في هذه اللحظة هو أنّه كم كانت ستبدو أيامي مختلفة لو أنّي لم أكن هنا الآن؟ وهل كُتب عليّ بالفعل أن أعيش في أوروبا لفترة ليست قصيرة بالضرورة؟
لطالما حلمت أن أقضي حياتي وأدرس في بلاد نيتشة وآينشتاين وجوته، وبالتحديد في مدينة “برلين”. آمنت فعلًا بأن وجودي في ألمانيا سيقلب حياتي رأسًا على عقب! وبالطبع هذا الذي حصل..
في هذه التدوينة سأروي أهم ما حدث، وستكون طويلة نوعًا ما، لذا لن أفصّل كثيرًا وسأكتفي بوقوف عابرعند كل محطة من محطات حياتي في ألمانيا.

العاشر من سبتمبر من عام ٢٠١٤

 

 

 

كانت الساعة التاسعة مساءًا، كنتُ قد انتهيت لتوّي من حزم آخر حقيبة (وساعدتني بذلك صديقة عمري أريج). شعرتُ بالكثير من التخبّط، سأغادر البلاد الحزينة المظلومة المتعبة  نحو بلاد لا قيود فيها، لا اعتقالات ولا سجون، كنتُ سعيدة سعيدة سعيدة جدًا! ثم ما لبثتُ أذكر أني فعلًا سأغادر دون عودة لفترة طويلة نوعًا ما. أني سأفتقد كل تفصيلٍ عشته في بلادنا العربية، أصدقائي ومدرستي وشوارعي والناس والأسواق وكل تفصيل، مهما كان صغيرًا.. وأريج! أريج التي لن أجد لها مثيل لو لففت العالم كلّه مرّات ومرّات.

أطلب من أبي انتظاري قليلًا فأحدث حالتي على الفيسبوك،

غادرت من مطار الدمام نحو مطار فرانكفورت، لا أستطيع أن أصف ما شعرتُ به حينها، كنت أحسُّ بكل شيء، أذكر ما مررتُ به يومها وكأنه البارحة. ٧ ساعات كاملة في الطيارة، تليها ساعة ونصف في القطار السريع، لنصل أخيرًا نحو محطة كولونيا الرئيسية. لم تكن رحلة هيّنة، لم أستطع النوم، كانت مشاعري تسيطر عليّ بالكامل وتحرمني من النوم، الكثير من السعادة، الكثير من الحماس، والكثير من الشوق لما ينتظرني في المحطة القادمة من حياتي! قضيت يومين كاملين دون نوم، ولم أكن أشعر بالتعب حتى.
ألف سؤال دار في رأسي حينها، كيف سأكون؟ وماذا سأكون؟ وكيف سيبدو كل شيء؟!.

كنت أبلغ ١٧ عامًا، وكنت أعتقد بأن ما إن غيّر الإنسان موقعه الجغرافي، حتى حصل على حريته كاملة. أي أن ما يقيّد حريّة المرء هو المكان والمكان فقط. اعذروني، فأنا لم أكن أعرف ما الذي يعنيه أن يحمل المرء قضيته معه أينما ذهب، ولا كنت قادرة على استيعاب أني عربية وسأبقى كذلك مهما فعلت وأينما ذهبت. لم أعرف حينها أن حريتي لا ترسمها الحدود ولا تمحوها الحدود أيضًا، بل أحارب لأجلها أنا فقط، أينما كنتُ!

الحادي عشر من سبتمبر من العام ٢٠١٤

كان الصباح باردًا والأوراق الصفراء متناثرة في كل مكان، أما الضباب والغيم الخريفيّ الحزين فكانا أول ما جعلني أقع في حب مدينة كولونيا، فبعد ١٠ سنوات قضيتها في الصحراء كان كل ما احتجته بعض من المطر والكثير من الصباحات الباردة، لأشعر بكل ما تعنيه فيروز عندما غنّت “ورقو الأصفر شهر أيلول، تحت الشبابيك.. ذكرني فيك”.
أسأل كل من قابتله إن كان يتحدث بالانجليزية لأتواصل مع الناس، فلم أكن أتقن الألمانية أبدًا، كل ما كنت أعرفه كان Danke والتي تعني “شكرًا”

التواضع والبرود الاجتماعي كانا من أوائل السمات التي لاحظتها في الشعب الألماني، أما نظافة الشوارع الألمانية فكانت تسحرني.. يحبون بلادهم كثيرًا ويهتمون بها أكثر.
كنت بالسذاجة الكافية لأعتقد بأني لن أعاني بعد الآن أبدًا، لن أرتدي العباءة السوداء، لن أخفي رأيي السياسي أو الديني خوفًا من أحكام المجتمع، فأنا التي عاشت العمر كله كمغتربة ولم تعرف معنى الوطن، وجدتُ وطنًا الآن!
لكن الأمر لم يكن هكذا أبدًا!.

نعم كنت مغتربة، ولكنّي كنت محاطة دومًا بأفراد من نفس المجتمع الذي كنت أنتمي إليه، أعيش في بلاد تتحدث لغتي الأم نفسها ولها العادات والتقاليد نفسها أو ما شابه لها، في السعودية لم أشعر بالحاجة لبذل أي مجهود إجتماعي، كنتُ محاطة بالأصدقاء والمعارف، مشاكلنا وهمومنا متشابهة، نضحك للنكات نفسها وتشغلنا القضايا ذاتها، أما الأمر في ألمانيا فهو مختلف تمامًا، الناس مختلفون، كذلك النكات وأسباب الحزن والغضب والقضايا! لكن كيف لفتاة في ال١٧ من عمرها أن تعي ذلك؟

 الثالث عشر من أكتوبر من عام ٢٠١٤

 

 

بعد شهر كامل من وجودي في ألمانيا كان ذلك هو اليوم الأول لي في مدرسة اللغة الألمانية، لم أستطع إخفاء حماسي للبدء بمرحلة جديدة.
قضيت ٦ أشهر كاملة في المعهد، وتعرفت على الكثير من الأصدقاء من مختلف الجنسيات حول العالم، من البرازيل والمكسيك وفنزويلا وقبرص وفرنسا والسويد وإيطاليا وتايوان. كان ذلك بالنسبة لي أفضل ما قد يحصل، لأنه أعطاني الفرصة لتوسيع مداركي والتعرف على الثقافات والمطابخ والأعياد والأديان المختلفة حول العالم، وبطريقة ما رغم كل اختلافاتنا استطعنا أن نتشارك حس الفكاهة ذاته والوقت الجميل سويّة دون أن يحدث أي موقف غريب أو أن تفقد صداقتنا معناها. أما أستاذي في مدرسة اللغة (يدعى ديتمار فوكت) فكان من أفضل الأستاذة الذين عرفتهم وسأظل أكنّ له كل الإحترام ما حييت.

تعلمت الألمانية بسرعة وبعد أن أنهيت تعلم اللغة قمت بتقديم أوراقي للجامعات حتى أبدأ بالسنة التحضيرية Studienkolleg.
قضيت ثلاثة أشهر تقريبًا دون أي نشاط يذكر، كنت أحاول التدرب على امتحان القبول للسنة التحضيرية، وفي تلك الفترة أيضًا ونتيجة لعدم وجود ما يشغلني كنت في ذروة نشاطي على موقع الآسك. من خلال هذا الموقع تعرّفت على الكثير من الأشخاص الذين أثّروا في حياتي، قابلت بعضهم أيضًا، منهم من بقي ومنهم من رحل، لكنهم جميعًا كانوا عربًا يتشاركون القضية نفسها وإن اختلفت آرائهم.

 سبتمبر من العام ٢٠١٥

 

 

قادني قدري نحو برلين – التي كانت ولا تزال مدينتي المفضلة في ألمانيا – لأقضي هناك سنة كاملة، ولتكون سنة مليئة بالمغامرات والتجارب الجميلة التي كان لها تأثيرًا عظيمًا عليّ وعلى نموّي في هذه البلاد. هناك عشت في بيت كبير لزوج من ثقافتين مختلفتين، حيث كان الزوج (عمو يوسف) من القدس والزوجة (الخالة كاتيا) من برلين. كانوا بالنسبة لي عائلتي الثانية، وكنت اتحدث معهم باللغة الألمانية يوميًا، أقضي معهم معظم وقتي، وأتعلم الكثير منهم عن تاريخ ألمانيا وفلسطين. تحب الخالة كاتيا القراءة كما أنها رسّامة بارعة تملأ منزلها باللوحات والكتب، أما عمو يوسف فكانت السياسة همّه، عدوّته التي لا يتوقف عن الخوض فيها.
في برلين كوّنت الكثير من الصداقات، أهمها كانت صداقتي بفراس، الذي كان ولا يزال كأخ لي.
في برلين كانت تجربتي الأولى في الاستقلال والعيش بمفردي، وفي برلين كانت أولى التحديات الحقيقية.

 يوليو من العام ٢٠١٦

 أنهيت السنة التحضيرية بعلامة ممتازة، ودّعت برلين، وحان موعد التقديم للجامعات والبداية بمشوار جديد.

لم أعرف ما كنت أريده فعلًا.. علم النفس؟ علوم سياسية؟ صحافة؟ طب بشري أم طب الأسنان؟ لم أكن أعرف.. ولكني قمت بتقديم الطلب لعدة جامعات وحصلت على قبولات لطب الأسنان والصيدلة وعلم نفس، وفي نهاية الأمر قررت دراسة طب الأسنان في جامعة روستوك التي تقع في شمال شرق ألمانيا.

إنها مدينة رائعة فعلًا، تطلّ على البحر وتملؤها المقاهي والحدائق. لكن شمسها خجولة وطقسها بارد وبعيدة جدًا عن كولونيا! كنت أحتاج لعائلتي وأصدقائي بقربي، لم أكن سعيدة أبدًا! وبعد أسبوع من المعاناة حصلت على قبولي الجامعي لدراسة طب الأسنان في مدينة غيسن.
ورقة بسيطة جدًا كانت كافية لتقلب حياتي رأسًا على عقب..
قمت بتغيير مكان دراستي على الفور دون أي تردد، لأودع روستوك متجهة نحو الغرب مجددًا، لكن هذه المرة ستكون محطتي الجديدة غيسن.

غيسن – Gießen

تقع غيسن في قلب ألمانيا، مدينة صغيرة جدًا، معظم سكّانها طلّاب في جامعتها. قضيت الفصل الأول من الجامعة في غرفة صغيرة في السكن الجامعي. تعرفت على الكثير من الطلاب الذين شاركوني السكن، عرب وألمان وأتراك. لم يكن الفصل الأول كما توقعت، لم أعرف كيف أدرس، الكتب هائلة والمحاضرات معقدة واللغة الألمانية لم تكن سهلة! حاولت التغلب على المصاعب الدراسية والاجتماعية التي واجهتني ولا تزال تواجهني أثناء الدراسة في الجامعات الألمانية، وقد أكتب تدوينة كاملة عن هذا الأمر قريبًا!

يناير وفبراير من العام ٢٠١٧

صباح الخير أيّها العالم السعيد، صباح الخير أيها الغيوم الثلجيّة، صباح الخير أَيُّهَا الشموع الدافئة على منضدتي الخشبيّة…

Posted by Youmna Bkaira on Tuesday, January 10, 2017

بدأت عطلة الفصل الأول، عدت أدراجي لموطني الثاني ومكان تواجد عائلتي “كولونيا” لأقضي عندهم عطلة الفصل الطويلة، أخبرتني صديقتي مايا بقدوم صديقنا على موقع تويتر فرزت إلى ألمانيا، وقلت لها أني سأكون مسرورة للقاءه والتعرّف عليه شخصيًا، خصوصًا أني أعرفه منذ قدومي إلى ألمانيا في عام ٢٠١٤ حين كان طالب طب في مصر.
في فبراير من العام ٢٠١٧ قابلت فرزت لأول مرة مع أصدقائنا شادي ومايا، احتسينا القهوة في مقهى وسط شوارع كولونيا القديمة، ووقعت في حبه، ليصبح صديقي وشريكي ومعلّمي وحبيبي..

لم تكن رحلتي في ألمانيا هيّنة، بل هي مؤلمة في كثير من الأوقات. أما المصاعب فلا زالت تواجهني حتى الآن، لا زلتُ أعاني من أزمة الهوية، الاغتراب وشوقي الشديد لوجودي في مكان يعرفني ويعرف قضيّتي،أبكي أحيانًا وأتمنّى لو أن الأمور أخذت طريقًا آخر في مجراها، لكنّي في ألمانيا ضحكت من قلبي وأحببت من أعماقه. أخذت مني ألمانيا الكثير لكنها وهبتني الكثير أيضًا، وهبتني الفرصة لأدرس في جامعتها، وهبتني الفرصة لأتعلم لغتها وأتعامل مع مختلف الثقافات والأشخاص، وهبتني أصدقاء هم كعائلتي، والأهم أنها وهبتني الحب الحقيقي.

ولألمانيا سأبقى ممتنة مدى الحياة..

 

قياسي

2 thoughts on “من الشرق للغرب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.