يوميات

تجربة الثلاثين يومًا

 لقد قمت بإيقاف تفعيل جميع حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي منذ ثلاثين يومًا، ما الذي دفعني فجأة للقيام بذلك؟ دافعي الأكبر هو أنني أفقد وقتي دون أن أشعر وكل ما أفعله هو التنقل بين فيسبوك وانستغرام وتويتر ثم الفيسبوك والانستغرام والتويتر.. هكذا. أما هذه “الدقائق” فهي في حقيقة الأمر ساعات، بل أيام، بل عمر بأكمله يمضي دون إنجاز يذكر. أهم ما كنت أفقده بعد الوقت كان التركيز والصبر، حيث أنني لم أعد أستطيع التركيز على أي مهمة من مهامي، وكان ذلك بالنسبة لي مؤلم جدًا بل ومحبط أيضًا. بتُ أسأل نفسي طوال الوقت : ما الذي حدث ليُمنى الطموحة، أقرأ مذكراتي القديمة فأرى نصوصًا لم أعد أستطيع كتابة أي مما يماثلها الآن، وأرى أحلامًا نسيتها، ثم أعيد طرح السؤال ذاته : ما الذي حدث لي؟
لطالما راودتني فكرة “العزلة” هذه، ولكني لم أقم بها أبدًا. كنت أقنع نفسي دائمًا بأن من أراد الابتعاد سيفعل بكل بساطة، كل ما يحتاجه الأمر هو نقرة واحدة على “تسجيل خروج” وڤوالا! انتهى الأمر!.
لكنني طبعًا لم أفعل ذلك، كنت أخدر نفسي وحسب ثم أعود كما كنت: مدمنة.

لقد حاولتُ في تويناتي السابقة توثيق تجربتي هذه ووصف المشاعر التي راودتني في بداية الفترة وفي منتصفها، لذا لن أكرر ما كتبتُ عنه قبل ذلك، إنما لابد لي ومن باب التأكيد أن أقول بأن كل ما أشعر به الآن هو الراحة النفسية، فبعد فترة طويلة من النشاط الدائم على مواقع التواصل الاجتماعي بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي دون توقف، كثيرة هي المواضيع التي كنت أقرأ عنها تغريدات عابرة، صور كثيرة أضع لها “لايك” أو أشاركها أو حتى أكرهها، لم يكن هنالك أي فاصل بين رؤية صورة لبيوت مدمرة في إدلب وأغنية لعمرو دياب، صخب صخب صخب، صخب مقاطع الفيديو والكلمات والصور دون أي رابط منطقي بين المنشور الأول والمنشور الذي يليه. كل ذلك سبب لي الكثير الصداع دون أن أشعر بذلك حتى.

ربما لم تكن هذه المدة (٣٠ يوم) طويلة بما يكفي لتقوم بتغييري، لكني صدقًا صرتُ أشعر بطعم الحياة بشكل مختلف، جميلة هي الحياة عندما أصعد في أي وسيلة للمواصلات وأتأمل الشوارع والناس دون الحاجة للتحديق في هاتفي، جميلة هي أيضًا عندما عدتُ لكتابة مذكراتي، هذه العادة القديمة التي لا أريد أتوقف عنها أبدًا، جميلة هي عندما أشاهد فيلمًا في السينما مع من أحب دون الشعور بحاجة ماسّة لمشاركة ذلك مع من يتابعني في الانستغرام، أخرج لأتمشى وحيدة مع الموسيقى التي أحبها، أتأمل الشجر والأرض والسماء بذهن صافٍ، أتقابل مع صديقة قديمة لم أرها منذ فترة طويلة فنتحدث لساعات، جميلة هي حياتي هكذا.. أكثر إنسانية وأقل “تقنيّة” !.

في ثلاثين يومًا قمتُ بإعادة ترتيب الكثير من الأمور المبعثرة في حياتي، وتعلمت بأنّي أنا ملكة نفسي ووقتي إن أردتُ فعلًا، كما أنني  صرتُ أميّز بين ما أريد رؤيته وبين ما هو مجرد ترند ليس إلا، لذلك أنا أشجعكم جميعًا على القيام بهذه الخطوة!

أما الآن فالسؤال هو : هل أستطيع استخدام ما أريد من مواقع التواصل الاجتماعي دون إدمانها مرة أخرى؟ لنرَ ذلك، قد أدوّن عن هذا الموضوع في وقتٍ لاحق ربما..

أتمنى لكم جمعة سعيدة هادئة مع من تحبون، دون أي حاجة للتحديق في الشاشات طوال النهار أو انتظار أي إشعار من هنا أو هناك 🙂

قياسي
يوميات

١٥ يومًا

ها قد مرّ ١٥ يومًا منذ أول يوم بدأت فيه بصناعة حياة جديدة بطريقة جديدة وتنظيم جديد، لا انستغرام لا تويتر ولا فيسبوك، الكثير من الموسيقى والكثير من الكتابة.
ماهي النتيجة حتى الآن؟
سلام داخلي!

نعم، سلام داخلي. كلمتان تعبران بشكل تفصيلي عن ما يدور بداخلي، أشعر بالوقت يمر بهدووووووء شديد واعتيادية، أما عن أيامي  فهي عادية جدًا. لست بحاجة لأي فلتر حتى أجعل من صوري أفضل وأجمل! لا أحتاج اللايكات والمشاركات لأرضي ذاتي وأشعر بأهميتي وسط المجتمع الذي أحيط نفسي به، حتى أنني لم أعد أشعر بأي إرادة لأشارك ما أواجهه في أيامي مع الآخرين! – أي أنّي ببساطة لم أعد أكترث –
صرت أفضّل كتابة ما يدور في بالي من أفكار وقصص – في دفتري الجديد الكيوت – حتى أشارك ذلك مع ذاتي المستقبلية، بمفردي ولنفسي، عوضًا عن التغريد لآخرين ليسوا بالضرورة مهتمين، إنما هو الملل فقط ما يجعلهم يقرأون يومياتي العادية جدًا، ثم كتابتي اليومية تجبرني على العودة للكتابة، تلك هوايتي المفضلة التي انقطعت عنها لمدة تزيد عن السنتين.

صرتُ أنظّم وقتي بشكل أفضل، ساعة لنفسي في الصباح الباكر، أشرب قهوتي مع السكر والحليب (الكثير من السكر والحليب)، أستمع لفيروز أو مقطوعات كلاسيكية لموسيقاري المفضل باخ، أضع جدولي اليومي للمهام التي يجب عليّ إنجازها، أتناول فطوري المعتاد (التوست والجبنة) ثم أنطلق!. منذ يومين أو أكثر صرت أكثر استقرارًا دون أن أشعر بأعراض الانسحاب التي كتبت عنها في تدوينتي السابقة، بل صار عندي نفور شديد من مواقع التواصل الاجتماعي.
أنا لا أنكر أهيمتها على الإطلاق! بل على العكس من ذلك، أعترف بأن عُزلتي هذه تجعلني منقطعة بشكل أو بآخر عن أخبار باقي أفراد عائلتي في المهجر، بل وأنها تُبعدني بشكل كامل عن المستجدات السياسية على أرض بلادي، ولكن أليس هذا جزء مما أحتاجه فعليًا؟ لا ذكر للموت ولا اعتقال ولا تعذيب ولا انهيار بعد الآن.

قد يكون تكون كلماتي السابقة قمة في الأنانية، وأعترف بذلك، لكنني تعبت! نعم أنا تعبت من أخبار الحرب ولا أريدها بعد الآن. وهذا لا يعني انسلاخ ولا نسيان للهوية ولكني أحتاج فترة النقاهة هذه.

أما عن حياتي الاجتماعية فهي في أفضل حالاتها، لأنه عوضًا عن مشاهدة صور أصدقائي عبر فيسبوك وانستغرام ووضع اللايك والكومنت، أتصل بهم ونشرب القهوة سوية خارج المنزل في مقهى، ونتحدث لساعات طويلة، وهذا شعور جميل.

إنا ممتنة لفرزت لأنه أكثر من شجعني على هذه الخطوة..

شكرا فرزت، (لأنو طلع معك حق دايما)..

أما الآن فسأترككم مع هذه التحفة الفنية التي أستمع لها منذ أسبوعين دون توقف. 🙂

قياسي
يوميات

عيد

أجلس لوحدي، واستمع لأغانيّ المفضلة التي كنت أستمع لها عام ٢٠١٤ – أي قبل سفري لألمانيا بأشهر معدودة – . أحاول أن أحبس دمعاتي حتى لا أنفجر، المنزل فارغ وبعض الأواني لا زالت في المطبخ دون تنظيف. أحاول ألّا أتجول في المنزل حتى أتجاهل كم هو خاوٍ. غرفة أحمد مليئة بالكتب الإنجليزية وأحمد ليس هنا، عطر أبي ومستحضرات أمي التجميلية على الرفوف في الغرفة الكبيرة ولكنهما ليسا هنا! إنها ليلة العيد، وأنا وحيدة جدًا. العيد هو أمي، هو معمول أمي وضحكة أمي وكلام أمي وطبخ أمي ورائحة أمي ووجودها. العيد هو عائلتي، هو نقاش أبي معنا في كل أمور السياسة والدين والفكر، هو زيارة خالي وعائلته لنا، هو نزهة طويلة مع أبي علي طول نهر الراين والكثير من الأحاديث، هو فنجان القهوة في الصباح الباكر، قهوة تركية لأمي ونكسافيه بالحليب لي ولأبي.. مع جملة أمي الشهيرة (يمنى يرضى عليكي عمليلي قهوة معك.. ما بحبها إلا من إيديك). العيد هو أن تكون حجرات هذا المنزل ممتلئة بأصوات من أحب، أحمد يناديني لغرفته ليحدثني عن آخر بودكاست سمعه.. أبي وأمي يصنعان الغداء في المطبخ، أبي وهو يقول لها (رح أعملك رز غييير شكل)، العيد أمي عندما تغضب ثم تضحك عندما تكتشف بأني سرقت آخر أحمر شفاه قد اشترته، ذو اللون الأحمر الغامق. العيد هو ألّا أكون وحدي..

اشتقت للمة العائلة ودفئها، اشتقت للشجار مع أخي.. اشتقت لأمي وأبي.
اشتقت لكل ما كان،
وتبًا للسفر.

ماما وبابا، كل عام وأنتما أغلى ما لديّ.. أحمد أنا أشتقت لك..

فالبيوت تموتُ إذا غاب سكانها. – محمود درويش

قياسي
يوميات

كان بدي أحمل السما

أنظرت لانعكاس صورتك في مرآة ما، لتجهل الصورة التي تنظر لها؟! “من أنا!” تصيح..
هل انفردتَ مع نفسك الكهلة في مساء ما، لتشعر بانقطاع نَفَسك فجأة، وكل ثانية تغدو كألف عام..
كنت تهرب من هذه اللحظات، وتفشل عند كل مرة!.. والآن يا حزين لا هروب من نفسك.. لا هروب من الإعصار.
ها أنت ذا تخرج الصور القديمة، تنفض عنها الغبار، والدمع ينهمر.. يحرق المقلتين، والقلب..
حتى روحك التي كنت تحسبها ماتت منذ هجرتك الأولى تشعر بها جريحة.. حبيسة للذكريات القديمة.
كل من حولك عائد لبلاده، أنت وحدك التائه الوحيد، لا مكان يعترف بك ولا زمن..

إن كنت يا عزيزي تؤمن بحفنة التراب تلك، هذه البقعة الجغرافية المتحطمة، فهنيئًا لك! لقد ضُحِد إيمانك! وها أنت ذا مسافر في الكوكب الكبير، لاجئ دون أرض ولا هوية ولا عنوان! لفظتك تلك البقعة نحو المجهول، وكل من علمك الوطنية مشغول عنك في القصور والنعيم.

إن الوطن هو أن تكون حرًا، حرًا من القيود واللغة، حرًا من الخوف والاعتقال..
الوطن هو أن تصرخ بكل ما فيك من صوت بأنك إنسان، إنسان ذو رأي وحق وواجب! الوطن هو الذكريات والعائلة والحب، الوطن لا يعرف التصنيف ولا التمييز، الوطن هو أن تكون أنت دون أن تشعر برصاصة تخترق صدرك، هو أن تكون بعيدًا وقريبًا كل القرب!
الوطن هو أن تكون محاطًا بمن يشعرون بك، فيعانقوك!
هو القبلة الأولى، وهو بيت الجدة وذكريات الطفولة والمدرسة، هو البساطة التي كانت تُحيط بك عندما كنت تعتقد ـ بكل ما فيك من إيمان ـ أن باستطاعتك تغيير العالم..

والآن ماذا؟
يجيبك حامد سنو قائلًا:

كان بدي أحمل السما، وهلأ أنجق حامل نفسي

إنك المغترب دومًا، اللامنتمي، ووسط كل الصخب الذي يحيط بك.. لا شيء يمثّلك سوى بضع كلمات، قصائد أو أغاني منسيّة علي ناصية الطريق الطويل، فالمكان انفجر بقنبلة روسية.. أما الناس فقد اختفوا، أو ربما خُطِفوا، تمامًا كما الأمل الذي كان فيك.
وبينك وبين أقرب الناس إليك مئة ألف دمعة.

دماغنا مخيف يا صديقي..
ستعلم ذلك عندما تخطو أول خطواتك في بلاد اللجوء.
ستتعلم كل شي، ستتأقلم لأنك ستكون حاضرًا في كل دورات الاندماج التي يعدونها لك لتكون يومًا منهم، ولن تكون. ستتحدث كل اللغات وتعتاد كل العادات، حتى تلك التي كنت تسخر منها، وصدقني.. ستتفاجئ حد الصدمة بنفسك عندما تفهم النكات التي لا تمت لك بأي صلة، لأنك ستضحك لها وعليها – ظنًا منك أنك ستكون يومًا منهم، ولن تكون! –
وستعرف بعد رحيل العمر أن وطنك صلة لا تعرف اللغة ولا الكلمات، هي الحب فقط..
وأنت..
أنت الغريب عن نفسك، كيف ستعرف الحب يومًا؟

وكأنني قد متُّ قبل الآن… أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني أَمضي، إلى ما لَسْتُ أَعرف. — محمود درويش

قياسي
يوميات

فضفضة

“ولنا أحلامنا الصغرى، كأن نصحو من النوم معافين من الخيبة.. لم نحلم بأشياء عصية.. نحن أحياء وباقون، وللحلم بقية.”

تتردد في بالي الجملة ذاتها منذ أن صحوت اليوم، أننا أحياء وباقون.. وأن للحلم بقية! وكأن عاصفة ما دمرت كل ما كنت أؤمن به ذات يوم، صار الانتماء بالنسبة لي حلم! والوطن فكرة.. والفكرة، ككل شيء، تموت! أما أنا.. فصرت كومة من الذكريات، كومة منسية علي ناصية الطريق..
ولكن منذ أن استيقظت صباحًا، صوتا ما يتردد بداخلي.. دون توقف..
.وكأنه صوت من السماء، وكأن إله الكون يدعوني مجددًا للإيمان بعدالة ما..
نحن أحياء.. وباقون.. وللحلم بقية.

 

قياسي
يوميات

Detox

الشمس تغرب، ونسمات الهواء اللطيفة تداعب شعري، أستمع لموسيقى هادئة وأحاول أن أدع أفكاري تنهمر هنا في الفضاء الإلكتروني الواسع، ليس لشيء إلا لأن رأسي يكاد ينفجر.
لقد قررت منذ بداية شهر أغسطس الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي برمتها، أي تويتر وفيسبوك وإنستغرام وأي موقع آخر قد يسلب مني قدرتي على القيام لترميم نفسي من جديد.

هو نوع من التحدي لنفسي أولا، حتى أتعلم السيطرة على نفسي ووقتي مرة أخرى.
لن أكون صريحة بما يكفي إن قلت بأنه سهل أو هين، بل على العكس من ذلك تماماً! إنها خطوة بغاية الصعوبة! أن تكون معتمداً بشكل كامل على “السوشيال ميديا” للتواصل مع الجميع، ولمعرفة أخبار بلادك (كسوري تعيس في المهجر) وفجأة تنقطع عن كل شيء، فتجد نفسك تشعر بكل ثانية وكأنها دهر بأكمله، خطوة صعبة ولكنها تستحق التجربة بدون أدنى شك! وأنا الآن – بحالتي هذه – بأقصى حاجة لها.

اليوم هو الخامس من أغسطس، أشعر بالضجر يأكلني.
أعتقد أنني أعاني من أعراض الإنسحاب، فأنا الآن أبدو كمدمن للهيروين في أشد حالاته يأساً للبحث عن أي جرعة يمكن أن يجدها، ولكنّي أؤمن أيضاً بأنني سأبدأ بالشعور بالارتياح بعد الأسبوع الأول، أو على الأقل هذا ما أتمناه، فالأمر برمته بالنسبة لي نوع من أنواع الصيام، سيطرة على النفس وتقرب من الكون والله والطبيعة ومحاولة امتلاك الوقت والذات بالدرجة الأولى.

لا أظن بأني سأعود كما كنت قبل الآن ولا أريد العودة، كل ما اريده هو أن أطور لنفسي مهارات جديدة، أن أتقدم في الناحية الدراسية والعملية، أن أتحكم بمشاعري وبأفكاري وأن أكتب وأقرأ أكثر.

الهواء الآن لطيف جداً، وكل ما أشعر به هو السلام الداخلي والحب، الكثير الكثير من الحب. اعتقد بأن عودتي للكتابة وتدوين أفكاري مرة اخرى هي الدواء الفعلي لما أعاني منه من توتر وإحباط وشعور بالضياع.

ًسأكتب عن تجربتي هذه بين كل حين وآخر، سأستمر مهما كان الأمر صعبا.

قياسي