يوميات

على أنقاض الذكرى

في فترة ما من فترات حياتي كنت أشتم كل من يهتزّ أمله أو إيمانه بالحراك الشعبي السوري وبصوت الثائر الحر، كنت مؤمنة بالثورة كإيماني بالله، وكنت أكررها دومًا.. “الثورة لا يمكن أن تموت ما دام الله موجود، لأنها من روح الله، ولأن كل الثائرين أنبياء، ولأن النضال لأجل الثورة هو الشهادة الحقيقية في سبيل الحق والحرية.. أي في سبيل الله”.

أفتح مذكراتي القديمة.. أتأمل كل صفحة جيدًا، تكاد كل صفحة لا تخلو من ذكر الحرية والثورة والمبادئ التي لأجلها خُلقنا مرة، ولأجلها مُتنا ألف مرّة..

كلما تذكّرت شعرتُ بالدمع يحرق عينيّ.. كيف يمكن للذكرى أن تقتلنا هكذا؟ أم أنها تعيد إلينا روح الثورة التي ماتت؟ وهل ماتت؟ هل استطاعوا فعلًا خنق أصواتنا؟ نحن الذين أقسمنا بأن لا تراجع ولا استسلام حتى إسقاط النظام؟

هل يبقى النظام فعلًا ونُسقَط نحن؟ ونموت؟ ونُنفى؟

وإن حصل ذلك.. هل يكون ذلك هو الوطن الذي حاربنا وخرجنا وضحّينا لأجله؟ أرض تحكمها عصابة حرقت كل البيوت وكل الحارات كي تبقى إلهًا مقدسًّا، لا صوت يعلو فوق صوته ولا إرادة فوق إرادته ولا أحد؟

إنني عاجزة عن الشعور بما يُسمى الوطن، أو الانتماء.

هل كل الفقد والتضحيات هذه لأجل اللا شيء؟ هل نحن الذين خذلنا القضية والوطن أم أن الأرض لم تعد تريدنا ولم تكُن يومًا لنا، نحن أبناء النور والأمل؟

أنا اليوم أنظر وأراقب من بعيد والعجز يذبحني. هذه الصور ومقاطع الفيديو ليست مجرد محاولات لتوثيق محرقة ما في عمر البلاد الطويل. إنهم يحرقون ذاكرتي ووجودي وانتمائي وذاتي. هذه الشوارع لي، وهذه البيوت لي، هنا كبرتُ وتعلّمت معنى النداء لأجل الحقوق والحريات. هنا.. خُلقت للمرّة الثانية وكانت الثورة لي أمًّا وأبًا وذات.. هنا خرجتُ في أول مظاهرت لي.. هنا لبستُ الحجاب وخرجت متلثّمة أنادي لأجل الحرية، لم أخف من الموت لأنني لم أعرفه، أو ربما لأنني كنت مؤمنة بالثورة للحد الذي لم يجعلني أفكر مرتين قبل الخروج والهتاف.. كنتُ أهتف وأبكي وأصرخ بأعلى صوتي لأجل حريّتي وحريّة البلاد التي لن تعود.

هنا عرفت لأول مرة من أكون ومن أين أكون وماذا أريد أن أكون.

في هذه الشوارع المحترقة، وبين هذه الأنقاض المتراكمة أسمع صوت جدتي توقظني لنشرب القهوة سويةً.. جدّتي، التي كان فقدانها بالنسبة لي موتًا ثانيًا للذكرى.. هنا كنت أسهر مع أقاربي “في السر” حتى الصباح، حيث كان السهر أكبر مخالفة يمكن ارتكابها، هنا كنتُ أحصل على “الخرجيّة” من جدّي، الذي مات ودُفن هناك، لأشتري “شوكولا عمار” – نعم لقد كانت المفضلة لديّ –  من البائع المجاور.. البائع الذي مات في قذيفة استهدفت دكّانه فلا هو بقيَ ولا هي.

هنا كل شيء.. وهذا الدمار دماري أنا.

أنظر إلى الشوارع وأتأمل.. لا زلتُ أذكر رحلاتنا إلى المعهد الثقافي في دوما.. المعهد الثقافي الذي حُرق بالكامل ولم يبقَ منه إلا بضع أعمدة أبت السقوط..

الجامع الكبير.. حيث اجتمعنا للمرة الأولى في محاولة الخروج بمظاهرة نسائية عارمة، في شوارع مدينة دوما – ذات الأغلبية المحافظة دينيًا – لم يكن صوتنا عورة.. كنا فقط نحن، كنا بشرًا ولنا حقوق.

في كل مرة أنظر إلى الركام والحطام والأنقاض يموتُ فيّ شيء ما.. وأبكي بحرقة وأسأل نفسي ألف مرة، كيف لم أعرف أن خريف 2011 كان المرة الأخيرة لكل شيء؟ كيف لم أعرف بأن كل ذلك كان المرة الأخيرة لي أنا؟؟

قياسي