يوميات

الموعد الأول

قال لها بأنه سيزور مدينتها أثناء عودته.. لم تستطع أن تُخفي أثر المفاجأة والسعادة اللتين احتلّتا قلبها وعينيها. كان ذلك يحمل لها الكثير من المعاني.. فهي سترى الصديق الطبيب، الشاب الوسيم صاحب الوجه الأكثر بشاشةً والقلب الأحنّ، ليومين على التوالي، ومن ثمّ سيعود.. وسيصبح كل الذي حصل.. ذكرى، ولكن إلى أن يمضي كل الوقت، وإلى أن تُصبح الذكرى ذكرى، لن تفكّر بكل ما كانت تخاف أن ينتهي.. وستحاول ألّا تكترث.

كانت سعيدة.. كانت تطير.. تُغنّي وترقص.. كالطفلة في يوم العيد. كانت حريصة على شعرها وملابسها وأناقتها.. ولكنّ القهوة انسكبت على قميصها في اللحظات الحرجة جدًّا! والقطار كاد أن يفوتها! ربما كان حظّها، أو أنها العجلة.

عند المحطة.. جلست تنتظر، كانت مرهقة من السفر والتفكير، والانتظار كان يقتلها.

لم تكن أبدًا صاحبة بال طويل، ونفاذ الصبر كان دائها. ها هي الآن تحاول ألّا تسمح للدقائق البطيئة بقتلها، تسبح بخيالها وتفكيرها، قلبها ينبضُ بتسارع ملحوظ، ها هي الفتاة العشرينية، ذات الشعر المجعّد والابتسامة العريضة، بعينيها اللامعتين حبًّا.. تنتظر.

محاولةً نسيان نفسها والوقت نزلت للدرج المؤدي لمحطة القطارات.. تصفّحت هاتفها قليلًا، ولكنّ كل محاولات الهروب من إحساسها بنفسها وقلبها لم تنجح.

فجأة ظهر الصديق الطبيب من خلفها.. ليُفزعها هو، ولتغرق هي بخجلها ولعثمتها، وبالعينين العسليّتين. أكاد أقسم بأنها شعرت بالوقت يتوقف، وودّت لو يبقى الوقت واقفًا عند تلك اللحظة حتى نهاية الزمان.

أرادت قول شيء ما.. أي شيء.. حتى تنسى صوت قلبها وخجلها الواضح على وجنتيها.

قالت ممازحةً “لمحت واحد طويل فكرته أنت بعدين قلت لا هو أقصر من هيك” وضحك هو، فضحكت لضحكته.. ولصوت ضحكته.. وله. أحبّت مضايقته كثيرًا، لعلّها هوايتها الجديدة.

حاولت قدر الإمكان ألّا تُبدي سعادتها الشديدة بمساءٍ كان غريبًا عليها.. مساء لطيف وجميل وممتلئ بكل المشاعر، المشاعر الغريبة عنها.. المشاعر التي سمعت بها.. وقرأت عنها.. حتّى ظنّت بأنها تعرفها! حاولت أن تبدو معتدلةً وطبيعية و.. عادية؟ عادية.

لطالما عرفت كل المقاهي حول محطة القطارات الرئيسيّة في تلك المدينة الأوروبية جدًا.. ولكنها عند تلك اللحظة لم تكن تدري إلى أين تذهب.. ولم تذهب؟ لم لا تقف حيث كانت؟ أعني.. هي لا تريد حمل عبئ اقتراح المقاهي.. هي الأسوأ في ذلك!.. ولكن لا بأس.. فهو لم يَعُد غريبًا، ولا حاجة لأي محاولة ابتذال غير مجدية.

تراودت إلى ذهنها كل الأسئلة عن كل التفاصيل.. لم لا ترمي حقيبتها المزعجة في منتصف الطريق وتتحرر من جرّها؟ كانت مُزعجة وثقيلة وصوتها كان يطغى على صوته، وهي لم تكُن تريد أن تسمع إلّا صوته. لم لا تعبّر عن سعادتها بكل الطرق؟ بأكثر الطرق جنونًا؟ لم لا تقول له بأن يبقى لوقت أطول، لم لا يبقى بقُربها دون سفر؟.. دون ٣٠٠ كم؟ دون القطارات والمحطّات؟ دون ٧ ساعات من السفر؟!

كانت سعيدة. وكان هو كل الحياة، وما بعد الحياة، والمساكن والأماكن.. والمسافة وقُربها. وكانت الأحاديث، والعيون الضاحكة، والمشاعر الغير مُعلنة، والأفكار التي ضحكا منها وعليها، والحُب الخجول..

حاولت أن تتجاهل قلقها الذي لم يفارقها معظم الوقت، فهاتفها توقّف عن العمل ولَم تُخبر أمها بأنها ستتأخر ، حاولت أن تتجاهل كل التفاصيل، كانت سعيدة بما بكفي لتنسى. أعرف أنّها كانت مرتاحة جدًّا، بشكلٍ يسمحُ لها بأن لا تُعير أي تفكيرٍ أو انتباه لأي شيء.. إلّا لعينيه.

كانت مندمجة للحدّ الذي يسمح لها بفقدان إحساسها بنفسها وبالزمان والمكان دون أدنى تردد.. هو من القلّة التي تُعطيك أكبر فرصة لكي لا تكون إلا نفسك!

كان يُصغي لها ويضحكُ على أسخف نكتة قيلت، وتضحك هي معه وله..

كان كلّ ما يحيط بهما سعيدًا، كل تفصيل.. كل رُكن وكلّ وجه.. حتّى ذلك النادل العبوس!

كانت سعيدة. وكان هو كل الحياة، وما بعد الحياة، والمساكن والأماكن.. والمسافة وقُربها. وكانت الأحاديث، والعيون الضاحكة، والمشاعر الغير مُعلنة، والأفكار التي ضحكا منها وعليها، والحُب الخجول..

وكانت الذكرى.

التاسع عشر من أيّار، أصبح ذكرى الآن..

قياسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.