Uncategorized

مرحبًا!

منذ أن بدأت الجامعة وأنا غير قادرة على الكتاب كما أردت. بدأ الشتاء، أي أن النهار صار أقصر، ولا استغناء عن المدفئة، تعب وإرهاق وشعور بالكسل يطغى عليّ، لكنني اشتقت للكتابة هنا على منصتي الخاصة. اشتقت لمشاركتكم ما يحدث معي في هذه البلاد، ولا بد أن أعترف بأن يومي ممتلئ والقصص التي أريد أن أرويها كثيرة.

ملاحظة صغيرة: انتظروني في تدوينة جديدة قريبًا جدًا.
ملاحظة صغيرة أخرى: أنا أكره التوقيت الشتوي!

قياسي
يوميات

من الشرق للغرب

أجلس في المقهى الواسع، أحتسي قهوتي التي أحب (كابوتشينو مع رشة قرفة)، أتامل وجوه الناس الغريبة حولي. بعضهم يدرس وبعضهم يتحدث مع الآخرين والبعض الآخر يجلس وحيدًا ويتظاهر بالانشغال. أما أنا فكلّ ما يشغل بالي في هذه اللحظة هو أنّه كم كانت ستبدو أيامي مختلفة لو أنّي لم أكن هنا الآن؟ وهل كُتب عليّ بالفعل أن أعيش في أوروبا لفترة ليست قصيرة بالضرورة؟
لطالما حلمت أن أقضي حياتي وأدرس في بلاد نيتشة وآينشتاين وجوته، وبالتحديد في مدينة “برلين”. آمنت فعلًا بأن وجودي في ألمانيا سيقلب حياتي رأسًا على عقب! وبالطبع هذا الذي حصل..
في هذه التدوينة سأروي أهم ما حدث، وستكون طويلة نوعًا ما، لذا لن أفصّل كثيرًا وسأكتفي بوقوف عابرعند كل محطة من محطات حياتي في ألمانيا.

العاشر من سبتمبر من عام ٢٠١٤

 

 

 

كانت الساعة التاسعة مساءًا، كنتُ قد انتهيت لتوّي من حزم آخر حقيبة (وساعدتني بذلك صديقة عمري أريج). شعرتُ بالكثير من التخبّط، سأغادر البلاد الحزينة المظلومة المتعبة  نحو بلاد لا قيود فيها، لا اعتقالات ولا سجون، كنتُ سعيدة سعيدة سعيدة جدًا! ثم ما لبثتُ أذكر أني فعلًا سأغادر دون عودة لفترة طويلة نوعًا ما. أني سأفتقد كل تفصيلٍ عشته في بلادنا العربية، أصدقائي ومدرستي وشوارعي والناس والأسواق وكل تفصيل، مهما كان صغيرًا.. وأريج! أريج التي لن أجد لها مثيل لو لففت العالم كلّه مرّات ومرّات.

أطلب من أبي انتظاري قليلًا فأحدث حالتي على الفيسبوك،

غادرت من مطار الدمام نحو مطار فرانكفورت، لا أستطيع أن أصف ما شعرتُ به حينها، كنت أحسُّ بكل شيء، أذكر ما مررتُ به يومها وكأنه البارحة. ٧ ساعات كاملة في الطيارة، تليها ساعة ونصف في القطار السريع، لنصل أخيرًا نحو محطة كولونيا الرئيسية. لم تكن رحلة هيّنة، لم أستطع النوم، كانت مشاعري تسيطر عليّ بالكامل وتحرمني من النوم، الكثير من السعادة، الكثير من الحماس، والكثير من الشوق لما ينتظرني في المحطة القادمة من حياتي! قضيت يومين كاملين دون نوم، ولم أكن أشعر بالتعب حتى.
ألف سؤال دار في رأسي حينها، كيف سأكون؟ وماذا سأكون؟ وكيف سيبدو كل شيء؟!.

كنت أبلغ ١٧ عامًا، وكنت أعتقد بأن ما إن غيّر الإنسان موقعه الجغرافي، حتى حصل على حريته كاملة. أي أن ما يقيّد حريّة المرء هو المكان والمكان فقط. اعذروني، فأنا لم أكن أعرف ما الذي يعنيه أن يحمل المرء قضيته معه أينما ذهب، ولا كنت قادرة على استيعاب أني عربية وسأبقى كذلك مهما فعلت وأينما ذهبت. لم أعرف حينها أن حريتي لا ترسمها الحدود ولا تمحوها الحدود أيضًا، بل أحارب لأجلها أنا فقط، أينما كنتُ!

الحادي عشر من سبتمبر من العام ٢٠١٤

كان الصباح باردًا والأوراق الصفراء متناثرة في كل مكان، أما الضباب والغيم الخريفيّ الحزين فكانا أول ما جعلني أقع في حب مدينة كولونيا، فبعد ١٠ سنوات قضيتها في الصحراء كان كل ما احتجته بعض من المطر والكثير من الصباحات الباردة، لأشعر بكل ما تعنيه فيروز عندما غنّت “ورقو الأصفر شهر أيلول، تحت الشبابيك.. ذكرني فيك”.
أسأل كل من قابتله إن كان يتحدث بالانجليزية لأتواصل مع الناس، فلم أكن أتقن الألمانية أبدًا، كل ما كنت أعرفه كان Danke والتي تعني “شكرًا”

التواضع والبرود الاجتماعي كانا من أوائل السمات التي لاحظتها في الشعب الألماني، أما نظافة الشوارع الألمانية فكانت تسحرني.. يحبون بلادهم كثيرًا ويهتمون بها أكثر.
كنت بالسذاجة الكافية لأعتقد بأني لن أعاني بعد الآن أبدًا، لن أرتدي العباءة السوداء، لن أخفي رأيي السياسي أو الديني خوفًا من أحكام المجتمع، فأنا التي عاشت العمر كله كمغتربة ولم تعرف معنى الوطن، وجدتُ وطنًا الآن!
لكن الأمر لم يكن هكذا أبدًا!.

نعم كنت مغتربة، ولكنّي كنت محاطة دومًا بأفراد من نفس المجتمع الذي كنت أنتمي إليه، أعيش في بلاد تتحدث لغتي الأم نفسها ولها العادات والتقاليد نفسها أو ما شابه لها، في السعودية لم أشعر بالحاجة لبذل أي مجهود إجتماعي، كنتُ محاطة بالأصدقاء والمعارف، مشاكلنا وهمومنا متشابهة، نضحك للنكات نفسها وتشغلنا القضايا ذاتها، أما الأمر في ألمانيا فهو مختلف تمامًا، الناس مختلفون، كذلك النكات وأسباب الحزن والغضب والقضايا! لكن كيف لفتاة في ال١٧ من عمرها أن تعي ذلك؟

 الثالث عشر من أكتوبر من عام ٢٠١٤

 

 

بعد شهر كامل من وجودي في ألمانيا كان ذلك هو اليوم الأول لي في مدرسة اللغة الألمانية، لم أستطع إخفاء حماسي للبدء بمرحلة جديدة.
قضيت ٦ أشهر كاملة في المعهد، وتعرفت على الكثير من الأصدقاء من مختلف الجنسيات حول العالم، من البرازيل والمكسيك وفنزويلا وقبرص وفرنسا والسويد وإيطاليا وتايوان. كان ذلك بالنسبة لي أفضل ما قد يحصل، لأنه أعطاني الفرصة لتوسيع مداركي والتعرف على الثقافات والمطابخ والأعياد والأديان المختلفة حول العالم، وبطريقة ما رغم كل اختلافاتنا استطعنا أن نتشارك حس الفكاهة ذاته والوقت الجميل سويّة دون أن يحدث أي موقف غريب أو أن تفقد صداقتنا معناها. أما أستاذي في مدرسة اللغة (يدعى ديتمار فوكت) فكان من أفضل الأستاذة الذين عرفتهم وسأظل أكنّ له كل الإحترام ما حييت.

تعلمت الألمانية بسرعة وبعد أن أنهيت تعلم اللغة قمت بتقديم أوراقي للجامعات حتى أبدأ بالسنة التحضيرية Studienkolleg.
قضيت ثلاثة أشهر تقريبًا دون أي نشاط يذكر، كنت أحاول التدرب على امتحان القبول للسنة التحضيرية، وفي تلك الفترة أيضًا ونتيجة لعدم وجود ما يشغلني كنت في ذروة نشاطي على موقع الآسك. من خلال هذا الموقع تعرّفت على الكثير من الأشخاص الذين أثّروا في حياتي، قابلت بعضهم أيضًا، منهم من بقي ومنهم من رحل، لكنهم جميعًا كانوا عربًا يتشاركون القضية نفسها وإن اختلفت آرائهم.

 سبتمبر من العام ٢٠١٥

 

 

قادني قدري نحو برلين – التي كانت ولا تزال مدينتي المفضلة في ألمانيا – لأقضي هناك سنة كاملة، ولتكون سنة مليئة بالمغامرات والتجارب الجميلة التي كان لها تأثيرًا عظيمًا عليّ وعلى نموّي في هذه البلاد. هناك عشت في بيت كبير لزوج من ثقافتين مختلفتين، حيث كان الزوج (عمو يوسف) من القدس والزوجة (الخالة كاتيا) من برلين. كانوا بالنسبة لي عائلتي الثانية، وكنت اتحدث معهم باللغة الألمانية يوميًا، أقضي معهم معظم وقتي، وأتعلم الكثير منهم عن تاريخ ألمانيا وفلسطين. تحب الخالة كاتيا القراءة كما أنها رسّامة بارعة تملأ منزلها باللوحات والكتب، أما عمو يوسف فكانت السياسة همّه، عدوّته التي لا يتوقف عن الخوض فيها.
في برلين كوّنت الكثير من الصداقات، أهمها كانت صداقتي بفراس، الذي كان ولا يزال كأخ لي.
في برلين كانت تجربتي الأولى في الاستقلال والعيش بمفردي، وفي برلين كانت أولى التحديات الحقيقية.

 يوليو من العام ٢٠١٦

 أنهيت السنة التحضيرية بعلامة ممتازة، ودّعت برلين، وحان موعد التقديم للجامعات والبداية بمشوار جديد.

لم أعرف ما كنت أريده فعلًا.. علم النفس؟ علوم سياسية؟ صحافة؟ طب بشري أم طب الأسنان؟ لم أكن أعرف.. ولكني قمت بتقديم الطلب لعدة جامعات وحصلت على قبولات لطب الأسنان والصيدلة وعلم نفس، وفي نهاية الأمر قررت دراسة طب الأسنان في جامعة روستوك التي تقع في شمال شرق ألمانيا.

إنها مدينة رائعة فعلًا، تطلّ على البحر وتملؤها المقاهي والحدائق. لكن شمسها خجولة وطقسها بارد وبعيدة جدًا عن كولونيا! كنت أحتاج لعائلتي وأصدقائي بقربي، لم أكن سعيدة أبدًا! وبعد أسبوع من المعاناة حصلت على قبولي الجامعي لدراسة طب الأسنان في مدينة غيسن.
ورقة بسيطة جدًا كانت كافية لتقلب حياتي رأسًا على عقب..
قمت بتغيير مكان دراستي على الفور دون أي تردد، لأودع روستوك متجهة نحو الغرب مجددًا، لكن هذه المرة ستكون محطتي الجديدة غيسن.

غيسن – Gießen

تقع غيسن في قلب ألمانيا، مدينة صغيرة جدًا، معظم سكّانها طلّاب في جامعتها. قضيت الفصل الأول من الجامعة في غرفة صغيرة في السكن الجامعي. تعرفت على الكثير من الطلاب الذين شاركوني السكن، عرب وألمان وأتراك. لم يكن الفصل الأول كما توقعت، لم أعرف كيف أدرس، الكتب هائلة والمحاضرات معقدة واللغة الألمانية لم تكن سهلة! حاولت التغلب على المصاعب الدراسية والاجتماعية التي واجهتني ولا تزال تواجهني أثناء الدراسة في الجامعات الألمانية، وقد أكتب تدوينة كاملة عن هذا الأمر قريبًا!

يناير وفبراير من العام ٢٠١٧

صباح الخير أيّها العالم السعيد، صباح الخير أيها الغيوم الثلجيّة، صباح الخير أَيُّهَا الشموع الدافئة على منضدتي الخشبيّة…

Posted by Youmna Bkaira on Tuesday, January 10, 2017

بدأت عطلة الفصل الأول، عدت أدراجي لموطني الثاني ومكان تواجد عائلتي “كولونيا” لأقضي عندهم عطلة الفصل الطويلة، أخبرتني صديقتي مايا بقدوم صديقنا على موقع تويتر فرزت إلى ألمانيا، وقلت لها أني سأكون مسرورة للقاءه والتعرّف عليه شخصيًا، خصوصًا أني أعرفه منذ قدومي إلى ألمانيا في عام ٢٠١٤ حين كان طالب طب في مصر.
في فبراير من العام ٢٠١٧ قابلت فرزت لأول مرة مع أصدقائنا شادي ومايا، احتسينا القهوة في مقهى وسط شوارع كولونيا القديمة، ووقعت في حبه، ليصبح صديقي وشريكي ومعلّمي وحبيبي..

لم تكن رحلتي في ألمانيا هيّنة، بل هي مؤلمة في كثير من الأوقات. أما المصاعب فلا زالت تواجهني حتى الآن، لا زلتُ أعاني من أزمة الهوية، الاغتراب وشوقي الشديد لوجودي في مكان يعرفني ويعرف قضيّتي،أبكي أحيانًا وأتمنّى لو أن الأمور أخذت طريقًا آخر في مجراها، لكنّي في ألمانيا ضحكت من قلبي وأحببت من أعماقه. أخذت مني ألمانيا الكثير لكنها وهبتني الكثير أيضًا، وهبتني الفرصة لأدرس في جامعتها، وهبتني الفرصة لأتعلم لغتها وأتعامل مع مختلف الثقافات والأشخاص، وهبتني أصدقاء هم كعائلتي، والأهم أنها وهبتني الحب الحقيقي.

ولألمانيا سأبقى ممتنة مدى الحياة..

 

قياسي
يوميات

تجربة الثلاثين يومًا

 لقد قمت بإيقاف تفعيل جميع حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي منذ ثلاثين يومًا، ما الذي دفعني فجأة للقيام بذلك؟ دافعي الأكبر هو أنني أفقد وقتي دون أن أشعر وكل ما أفعله هو التنقل بين فيسبوك وانستغرام وتويتر ثم الفيسبوك والانستغرام والتويتر.. هكذا. أما هذه “الدقائق” فهي في حقيقة الأمر ساعات، بل أيام، بل عمر بأكمله يمضي دون إنجاز يذكر. أهم ما كنت أفقده بعد الوقت كان التركيز والصبر، حيث أنني لم أعد أستطيع التركيز على أي مهمة من مهامي، وكان ذلك بالنسبة لي مؤلم جدًا بل ومحبط أيضًا. بتُ أسأل نفسي طوال الوقت : ما الذي حدث ليُمنى الطموحة، أقرأ مذكراتي القديمة فأرى نصوصًا لم أعد أستطيع كتابة أي مما يماثلها الآن، وأرى أحلامًا نسيتها، ثم أعيد طرح السؤال ذاته : ما الذي حدث لي؟
لطالما راودتني فكرة “العزلة” هذه، ولكني لم أقم بها أبدًا. كنت أقنع نفسي دائمًا بأن من أراد الابتعاد سيفعل بكل بساطة، كل ما يحتاجه الأمر هو نقرة واحدة على “تسجيل خروج” وڤوالا! انتهى الأمر!.
لكنني طبعًا لم أفعل ذلك، كنت أخدر نفسي وحسب ثم أعود كما كنت: مدمنة.

لقد حاولتُ في تويناتي السابقة توثيق تجربتي هذه ووصف المشاعر التي راودتني في بداية الفترة وفي منتصفها، لذا لن أكرر ما كتبتُ عنه قبل ذلك، إنما لابد لي ومن باب التأكيد أن أقول بأن كل ما أشعر به الآن هو الراحة النفسية، فبعد فترة طويلة من النشاط الدائم على مواقع التواصل الاجتماعي بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي دون توقف، كثيرة هي المواضيع التي كنت أقرأ عنها تغريدات عابرة، صور كثيرة أضع لها “لايك” أو أشاركها أو حتى أكرهها، لم يكن هنالك أي فاصل بين رؤية صورة لبيوت مدمرة في إدلب وأغنية لعمرو دياب، صخب صخب صخب، صخب مقاطع الفيديو والكلمات والصور دون أي رابط منطقي بين المنشور الأول والمنشور الذي يليه. كل ذلك سبب لي الكثير الصداع دون أن أشعر بذلك حتى.

ربما لم تكن هذه المدة (٣٠ يوم) طويلة بما يكفي لتقوم بتغييري، لكني صدقًا صرتُ أشعر بطعم الحياة بشكل مختلف، جميلة هي الحياة عندما أصعد في أي وسيلة للمواصلات وأتأمل الشوارع والناس دون الحاجة للتحديق في هاتفي، جميلة هي أيضًا عندما عدتُ لكتابة مذكراتي، هذه العادة القديمة التي لا أريد أتوقف عنها أبدًا، جميلة هي عندما أشاهد فيلمًا في السينما مع من أحب دون الشعور بحاجة ماسّة لمشاركة ذلك مع من يتابعني في الانستغرام، أخرج لأتمشى وحيدة مع الموسيقى التي أحبها، أتأمل الشجر والأرض والسماء بذهن صافٍ، أتقابل مع صديقة قديمة لم أرها منذ فترة طويلة فنتحدث لساعات، جميلة هي حياتي هكذا.. أكثر إنسانية وأقل “تقنيّة” !.

في ثلاثين يومًا قمتُ بإعادة ترتيب الكثير من الأمور المبعثرة في حياتي، وتعلمت بأنّي أنا ملكة نفسي ووقتي إن أردتُ فعلًا، كما أنني  صرتُ أميّز بين ما أريد رؤيته وبين ما هو مجرد ترند ليس إلا، لذلك أنا أشجعكم جميعًا على القيام بهذه الخطوة!

أما الآن فالسؤال هو : هل أستطيع استخدام ما أريد من مواقع التواصل الاجتماعي دون إدمانها مرة أخرى؟ لنرَ ذلك، قد أدوّن عن هذا الموضوع في وقتٍ لاحق ربما..

أتمنى لكم جمعة سعيدة هادئة مع من تحبون، دون أي حاجة للتحديق في الشاشات طوال النهار أو انتظار أي إشعار من هنا أو هناك 🙂

قياسي
يوميات

١٥ يومًا

ها قد مرّ ١٥ يومًا منذ أول يوم بدأت فيه بصناعة حياة جديدة بطريقة جديدة وتنظيم جديد، لا انستغرام لا تويتر ولا فيسبوك، الكثير من الموسيقى والكثير من الكتابة.
ماهي النتيجة حتى الآن؟
سلام داخلي!

نعم، سلام داخلي. كلمتان تعبران بشكل تفصيلي عن ما يدور بداخلي، أشعر بالوقت يمر بهدووووووء شديد واعتيادية، أما عن أيامي  فهي عادية جدًا. لست بحاجة لأي فلتر حتى أجعل من صوري أفضل وأجمل! لا أحتاج اللايكات والمشاركات لأرضي ذاتي وأشعر بأهميتي وسط المجتمع الذي أحيط نفسي به، حتى أنني لم أعد أشعر بأي إرادة لأشارك ما أواجهه في أيامي مع الآخرين! – أي أنّي ببساطة لم أعد أكترث –
صرت أفضّل كتابة ما يدور في بالي من أفكار وقصص – في دفتري الجديد الكيوت – حتى أشارك ذلك مع ذاتي المستقبلية، بمفردي ولنفسي، عوضًا عن التغريد لآخرين ليسوا بالضرورة مهتمين، إنما هو الملل فقط ما يجعلهم يقرأون يومياتي العادية جدًا، ثم كتابتي اليومية تجبرني على العودة للكتابة، تلك هوايتي المفضلة التي انقطعت عنها لمدة تزيد عن السنتين.

صرتُ أنظّم وقتي بشكل أفضل، ساعة لنفسي في الصباح الباكر، أشرب قهوتي مع السكر والحليب (الكثير من السكر والحليب)، أستمع لفيروز أو مقطوعات كلاسيكية لموسيقاري المفضل باخ، أضع جدولي اليومي للمهام التي يجب عليّ إنجازها، أتناول فطوري المعتاد (التوست والجبنة) ثم أنطلق!. منذ يومين أو أكثر صرت أكثر استقرارًا دون أن أشعر بأعراض الانسحاب التي كتبت عنها في تدوينتي السابقة، بل صار عندي نفور شديد من مواقع التواصل الاجتماعي.
أنا لا أنكر أهيمتها على الإطلاق! بل على العكس من ذلك، أعترف بأن عُزلتي هذه تجعلني منقطعة بشكل أو بآخر عن أخبار باقي أفراد عائلتي في المهجر، بل وأنها تُبعدني بشكل كامل عن المستجدات السياسية على أرض بلادي، ولكن أليس هذا جزء مما أحتاجه فعليًا؟ لا ذكر للموت ولا اعتقال ولا تعذيب ولا انهيار بعد الآن.

قد يكون تكون كلماتي السابقة قمة في الأنانية، وأعترف بذلك، لكنني تعبت! نعم أنا تعبت من أخبار الحرب ولا أريدها بعد الآن. وهذا لا يعني انسلاخ ولا نسيان للهوية ولكني أحتاج فترة النقاهة هذه.

أما عن حياتي الاجتماعية فهي في أفضل حالاتها، لأنه عوضًا عن مشاهدة صور أصدقائي عبر فيسبوك وانستغرام ووضع اللايك والكومنت، أتصل بهم ونشرب القهوة سوية خارج المنزل في مقهى، ونتحدث لساعات طويلة، وهذا شعور جميل.

إنا ممتنة لفرزت لأنه أكثر من شجعني على هذه الخطوة..

شكرا فرزت، (لأنو طلع معك حق دايما)..

أما الآن فسأترككم مع هذه التحفة الفنية التي أستمع لها منذ أسبوعين دون توقف. 🙂

قياسي
يوميات

عيد

أجلس لوحدي، واستمع لأغانيّ المفضلة التي كنت أستمع لها عام ٢٠١٤ – أي قبل سفري لألمانيا بأشهر معدودة – . أحاول أن أحبس دمعاتي حتى لا أنفجر، المنزل فارغ وبعض الأواني لا زالت في المطبخ دون تنظيف. أحاول ألّا أتجول في المنزل حتى أتجاهل كم هو خاوٍ. غرفة أحمد مليئة بالكتب الإنجليزية وأحمد ليس هنا، عطر أبي ومستحضرات أمي التجميلية على الرفوف في الغرفة الكبيرة ولكنهما ليسا هنا! إنها ليلة العيد، وأنا وحيدة جدًا. العيد هو أمي، هو معمول أمي وضحكة أمي وكلام أمي وطبخ أمي ورائحة أمي ووجودها. العيد هو عائلتي، هو نقاش أبي معنا في كل أمور السياسة والدين والفكر، هو زيارة خالي وعائلته لنا، هو نزهة طويلة مع أبي علي طول نهر الراين والكثير من الأحاديث، هو فنجان القهوة في الصباح الباكر، قهوة تركية لأمي ونكسافيه بالحليب لي ولأبي.. مع جملة أمي الشهيرة (يمنى يرضى عليكي عمليلي قهوة معك.. ما بحبها إلا من إيديك). العيد هو أن تكون حجرات هذا المنزل ممتلئة بأصوات من أحب، أحمد يناديني لغرفته ليحدثني عن آخر بودكاست سمعه.. أبي وأمي يصنعان الغداء في المطبخ، أبي وهو يقول لها (رح أعملك رز غييير شكل)، العيد أمي عندما تغضب ثم تضحك عندما تكتشف بأني سرقت آخر أحمر شفاه قد اشترته، ذو اللون الأحمر الغامق. العيد هو ألّا أكون وحدي..

اشتقت للمة العائلة ودفئها، اشتقت للشجار مع أخي.. اشتقت لأمي وأبي.
اشتقت لكل ما كان،
وتبًا للسفر.

ماما وبابا، كل عام وأنتما أغلى ما لديّ.. أحمد أنا أشتقت لك..

فالبيوت تموتُ إذا غاب سكانها. – محمود درويش

قياسي
يوميات

كان بدي أحمل السما

أنظرت لانعكاس صورتك في مرآة ما، لتجهل الصورة التي تنظر لها؟! “من أنا!” تصيح..
هل انفردتَ مع نفسك الكهلة في مساء ما، لتشعر بانقطاع نَفَسك فجأة، وكل ثانية تغدو كألف عام..
كنت تهرب من هذه اللحظات، وتفشل عند كل مرة!.. والآن يا حزين لا هروب من نفسك.. لا هروب من الإعصار.
ها أنت ذا تخرج الصور القديمة، تنفض عنها الغبار، والدمع ينهمر.. يحرق المقلتين، والقلب..
حتى روحك التي كنت تحسبها ماتت منذ هجرتك الأولى تشعر بها جريحة.. حبيسة للذكريات القديمة.
كل من حولك عائد لبلاده، أنت وحدك التائه الوحيد، لا مكان يعترف بك ولا زمن..

إن كنت يا عزيزي تؤمن بحفنة التراب تلك، هذه البقعة الجغرافية المتحطمة، فهنيئًا لك! لقد ضُحِد إيمانك! وها أنت ذا مسافر في الكوكب الكبير، لاجئ دون أرض ولا هوية ولا عنوان! لفظتك تلك البقعة نحو المجهول، وكل من علمك الوطنية مشغول عنك في القصور والنعيم.

إن الوطن هو أن تكون حرًا، حرًا من القيود واللغة، حرًا من الخوف والاعتقال..
الوطن هو أن تصرخ بكل ما فيك من صوت بأنك إنسان، إنسان ذو رأي وحق وواجب! الوطن هو الذكريات والعائلة والحب، الوطن لا يعرف التصنيف ولا التمييز، الوطن هو أن تكون أنت دون أن تشعر برصاصة تخترق صدرك، هو أن تكون بعيدًا وقريبًا كل القرب!
الوطن هو أن تكون محاطًا بمن يشعرون بك، فيعانقوك!
هو القبلة الأولى، وهو بيت الجدة وذكريات الطفولة والمدرسة، هو البساطة التي كانت تُحيط بك عندما كنت تعتقد ـ بكل ما فيك من إيمان ـ أن باستطاعتك تغيير العالم..

والآن ماذا؟
يجيبك حامد سنو قائلًا:

كان بدي أحمل السما، وهلأ أنجق حامل نفسي

إنك المغترب دومًا، اللامنتمي، ووسط كل الصخب الذي يحيط بك.. لا شيء يمثّلك سوى بضع كلمات، قصائد أو أغاني منسيّة علي ناصية الطريق الطويل، فالمكان انفجر بقنبلة روسية.. أما الناس فقد اختفوا، أو ربما خُطِفوا، تمامًا كما الأمل الذي كان فيك.
وبينك وبين أقرب الناس إليك مئة ألف دمعة.

دماغنا مخيف يا صديقي..
ستعلم ذلك عندما تخطو أول خطواتك في بلاد اللجوء.
ستتعلم كل شي، ستتأقلم لأنك ستكون حاضرًا في كل دورات الاندماج التي يعدونها لك لتكون يومًا منهم، ولن تكون. ستتحدث كل اللغات وتعتاد كل العادات، حتى تلك التي كنت تسخر منها، وصدقني.. ستتفاجئ حد الصدمة بنفسك عندما تفهم النكات التي لا تمت لك بأي صلة، لأنك ستضحك لها وعليها – ظنًا منك أنك ستكون يومًا منهم، ولن تكون! –
وستعرف بعد رحيل العمر أن وطنك صلة لا تعرف اللغة ولا الكلمات، هي الحب فقط..
وأنت..
أنت الغريب عن نفسك، كيف ستعرف الحب يومًا؟

وكأنني قد متُّ قبل الآن… أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني أَمضي، إلى ما لَسْتُ أَعرف. — محمود درويش

قياسي
يوميات

فضفضة

“ولنا أحلامنا الصغرى، كأن نصحو من النوم معافين من الخيبة.. لم نحلم بأشياء عصية.. نحن أحياء وباقون، وللحلم بقية.”

تتردد في بالي الجملة ذاتها منذ أن صحوت اليوم، أننا أحياء وباقون.. وأن للحلم بقية! وكأن عاصفة ما دمرت كل ما كنت أؤمن به ذات يوم، صار الانتماء بالنسبة لي حلم! والوطن فكرة.. والفكرة، ككل شيء، تموت! أما أنا.. فصرت كومة من الذكريات، كومة منسية علي ناصية الطريق..
ولكن منذ أن استيقظت صباحًا، صوتا ما يتردد بداخلي.. دون توقف..
.وكأنه صوت من السماء، وكأن إله الكون يدعوني مجددًا للإيمان بعدالة ما..
نحن أحياء.. وباقون.. وللحلم بقية.

 

قياسي